أحمد بن محمد المقري التلمساني
286
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وصل حدّ الخذلان ، بل هي علامة تقارب القطع على أنه شقي مسلم إلى غضب اللّه تعالى ومقته ، أعاذنا اللّه تعالى منه . وكان من حال هذا السيد تألف قلوب الأولاد الصغار ، فهم يحبّونه محبّة تفوق محبّتهم لآبائهم وأمهاتهم ، فينتظرون خروجه للصلاة وهم عدد كثير ، يأتون من كلّ أوب « 1 » ومن المكاتب البعيدة ، فإذا رأوه ازدحموا على تقبيل يده . وكذا كان ملوك زمانه يزدحمون عليه ، ويتذلّلون بين يديه ، فلا يحفل بذلك ، وذكر لي بعض تلامذته أنّ أقواله تشبه أفعاله ، لما منحه اللّه تعالى من فنون الاستقامة ، مع ما في كلامه من النور والحلاوة التي استفزّت ألباب المشارقة ، بحيث صار لهم بحث عريض على تواليفه ؛ انتهى كلام ابن السكاك . وله من التواليف : الرسائل الكبرى ، والصغرى ، وشرح الحكم ، ونظمها في ثمانمائة بيت من الرجز . وحدّث الشيخ أبو مسعود الهراس قال : كنت أقرأ في صحن جامع القرويين والمؤذنون يؤذنون بالليل ، فإذا أبو عبد اللّه بن عبّاد قد خرج من باب داره ، وجاء يطير في الصحن كأنه جالس متربّع حتى دخل في البلاط الذي حول الصّومعة ، ثم مشيت فوجدته يصلّي حول المحراب ، وسأله السراج عن أبي حامد الغزالي ، فقال : هو فوق الفقهاء ، وأقلّ من الصوفية . وممّا نقل من خطّه ، رحمه اللّه تعالى ، ولا يدري هل هي له أم لا : [ الكامل ] الحزم قبل العزم فاحزم واعزم * وإذا استبان لك الصواب فصمّم واستعمل الرفق الذي هو مكسب * ذكر القلوب وجد وأجمل واحلم واحرس وسر وأشجع وصل وامنن وصل * واعدل وأنصف وارع واحفظ وارحم « 2 » وإذا وعدت فعد بما تقوى على * إنجازه وإذا اصطنعت فتمّم وذكر الشيخ الفقيه الخطيب القاضي الحاج أبو سعيد « 3 » بن أبي سعيد السلوي أنه رأى في حائط جامع القرويين أبياتا مكتوبة بفحم بخطّ الشيخ أبي عبد اللّه بن عباد وهي : [ السريع ] أيتها النفس إليه اذهبي * فحبّه المشهور من مذهبي
--> ( 1 ) من كل أوب : من كل صوب وناحية . ( 2 ) صل ، بضم الصاد - أمر من قولهم « صال يصول ومصالا وصولة » إذا أقدم ، وصل - بكسر الصاد - أمر من قوله « وصل فلان فلانا يصله وصلا » إذا أعطاه . ( 3 ) في ب « القاضي الحاج الرحيل أبو سعيد . . . » .